خبر خير – د. نهى ناصر  

  الـدِّلالة: مهنة عُرفت بها النساء في المدن اليمنية، وينشطن فيها في الريف، حيث إن النساء الريفيات لا يستطعن الذهاب إلى المدن للتسوق، وهنا تظهر مهمة الدلَّالة التي تأتي إلى القرى النائية والأرياف حاملة على رأسها بقشة (صرة من الثياب) تحوي ثيابًا أو أدوات منزلية أو بضائع متنوعة.

     تقول منيرة محمد لـ”خبر خير” وهي تستحضر ذكرياتها عن الدلَّالة أمِّ محمود التي كانت تزورهن في إحدى قرى تعز: “ما أن أرى بقشة أمِّ محمود فوق رأسها يقفز قلبي فرحًا فدائمًا ما كانت هذه البقشة تحوي شيئًا يخصُّني”.

     تضيف منيرة : “تجلس الدلَّالة أمُّ محمود أمام بيتنا لتضع حملها الثقيل على الأرض، تنادي أمي لها: ادخلي، ادخلي. ومع كوب الشاي وفطير الهند أوزع أنا نظراتي بين أمي وأمِّ محمود أترقب بلهفة ما تخبِّئه لي هذه البقشة، ابتسمت أمُّ محمود وأومأت إليَّ بالجلوس إلى جانبها، فتحت البقشة وظهرت الملابس المزركشة والمزينة، وتناثرت  الألوان أحمر، وأصفر ، وأخضر، وبين ثنايا هذه الكومة الزاهية التقطت أمُّ محمود ثوبًا، وقالت: هذا حالي يا كاذية، جربيه عليها، ألبستني أمي الثوب، وما أن ارتديته غمرتني السعادة لأنني لبست ثوبًا جديدًا، وبصوتها المبحوح قالت أمُّ محمود: ما شاء الله، ما شاء الله حالي. وعندما تومئ أمي برأسها موافقة، أوقن أنها اشترت الفستان، وهنا لابد أن أركض في أرجاء البيت وأذهب إلى غرفة جدتي التي يرتسم على محياها ابتسامة الإعجاب التي طالما رمقتني بها كلما جريت إلى غرفتها أعرض لها أحد فساتين أمِّ محمود”.

     وعلى الجهة المقابلة جنوبًا من محافظة تعز، وفي مدينة عدن حيث تكثر النساء اللاتي يمتهن التجارة المتنقلة والمعروفة في اليمن بالدِّلالة، والتي تحكي كيف يمكن للمرأة أن تحقق نجاحًا في مجال قد يبدو سهلًا، تحكي رباب لخبر خير: “الدِّلالة ليست مهنة فقط ولكنها علاقات اجتماعية تعلمك كيف يمكن أن تفهمي الوسط الذي تتعاملين معه لا سيما النساء، فهذا العمل مرتبط بالنساء وهو متصل اتصالًا مباشرًا بهن فهن زبائننا”.

     تضيف رباب: “علاقتي مع زبائني ليست علاقة بيع وشراء فقط فمع مرو الزمن أصبحت أعرف أذواقهن وما يحتجن إليه، وهو ما يجعلني أطمئن إلى أن بضاعتي لها زبائنها ولا يمكن أن أعرض شيئًا ولا يباع”.

     عند التطرق إلى مهنة الدِّلالة نرى أن العلاقة القائمة على التواصل بين الدلَّالة وزبائنها أخذت منحى آخر أكثر من كونها تختص بتلبية احتياجات الزبائن الأكثر تطلبًا، فهي مهنة تتصل اتصالًا مباشرًا بالمرأة العاملة كونها غالبًا ما تكون هي المستهدفة، هذا بالإضافة إلى أن الاحتياجات التي توفرها الدلَّالات اليوم تتنوع وتشمل كل احتياجات الأسر والأفراد من ملابس وأدوات منزلية ومواد تجميلية وأدوات إلكترونية…

      وعلى المسار ذاته “مُنية” موظفة حكومية في إحدى المؤسسات في عدن، كما أنها تعمل دلَّالة، ولكنَّ عملها دلَّالة في هذه المؤسسة جعلها أشهر موظفة حكومية هنا.

    دخلتُ إلى المؤسسة الحكومية التي تعمل فيها “مُنية” وسألت عن الدائرة التي تعمل فيها، أشار إليَّ الموظف في المكتب الذي يسبق مكتبها، قائلًا: “الباب الخشبي المفتوح في نهاية الممر هناك مكتبها”.

    كنت أعتقد أن النساء المجتمعات عند المكتب الذي أشار إليه الرجل ينتظرن إنهاء معاملاتهن، ولكنَّني وجدت سيدةً في الثلاثين من العمر تقبع خلف مكتب متهالك ككل المكاتب الحكومية، تحيطها النساء والأكياس والأوراق المتكدسة في الملفات فوق المكتب، رمقتني وابتسمت مباشرة، سلمت عليها، وجلست أنتظر حتى تنتهي من استلام النقود من زبائنها أو زميلاتها في العمل، وتسجل ما تستلمه في الدفتر الذي أمامها، وتوكِّد عليهن ضرورة الالتزام بموعد الأقساط التي تُدفع شهريًّا”.

     وبعد أن هدأ المكتب قليلًا شرعت “مُنية” في الحديث عن قدرتها على التوفيق بين الوظيفة الإدارية وعمل الدِّلالة.

      وتقول مُنية: “ليس هناك تعارضٌ بين عملي في المصلحة الحكومية وعملي الخاص، وأنا ملتزمة بعملي ولا يوجد تقصير منِّي، وفي المقابل أردت أن أحسِّن من دخلي الخاص فالمعاش الشهري الذي أتقاضاه نهاية كل شهر ليس كافيًّا”.

    وتضيف: “الدِّلالة مهنة اقتصرت قديمًا على بيع أشياء محددة، وغالبًا ما كانت ملابس، أما اليوم فإذا أردت أن تستمري في مهنة الدِّلالة وتحافظي على مكانك في هذه المهنة عليك أن تقدمي بضائع متنوعة وتواكبي الموضة، فللنساء اليوم متطلبات أخرى وأذاقهن اختلفت وتنوعت”.

    وأردفت مُنية بقولها: “إن عمل الدِّلالة لم يعد محصورًا على ذوق الدلَّالة في اختيار الأشياء التي تبيعها، بل يعتمد أيضًا على متابعتها لكل ما هو جديد  في عالم الموضة لا سيما ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي وبالتحديد الانستجرام”.

    وتواصل منية حديثها: “جميع الدَّلالات كنَّ قديمًا يبعن بالتقسيط؛ لأن الوسط الذي يبعن فيه معروف، ولكن الآن توسعت وسائل البيع فلم يعد شرطًا أن تعرفي الدلَّالة معرفة شخصية، وتلتقي بها، ممكن أن تقتصر معرفتك بها على أن تكوني إحدى أعضاء المجموعة على جروب في الواتساب أو الفيسبوك، حيث تستخدم الدلَّالة وسائل التواصل الاجتماعي لعرض بضاعتها على أعضاء المجموعة، وتحجز الزبونة القطعة التي تناسبها وتدفع عربونًا مقدَّمًا، وما أن تصل البضاعة تستلمها بعد أن تدفع بقية المبلغ مقصَّدًا على أشهر.

    ومع ارتفاع الأسعار في اليمن، وتدني دخل السكان، اعتمدت كثير من الأُسر على الدلَّالات في توفير احتياجاتها ومتطلبات المدارس والأعياد، حيث توفر الدلَّالات جميع احتياجات الأسر في المدن اليمنية خصوصًا بداية تدشين العام الدراسي أو الأعياد والمناسبات، وكذلك توفر الأدوات المنزلية.

     ويوكِّد س. ن (أستاذ جامعي في جامعة عدن) أنه أصبح يعتمد على توفير احتياجات أطفاله من ملابس وأدوات المدارس عبر الشراء من الدلَّالة التي تسكن معهم في الحي نفسه”.

    ويقول د. س. ن: “بعد انهيار العملة في اليمن إلى 1500 ريال للدولار الواحد، وتهاوي الراتب الذي كنت أتقاضاه كوني أستاذًا جامعيًّا من 1200 دولار (220,000) ريال يمني في الشهر قبل الصراع في اليمن، إلى أن وصل إلى 160 دولار في الشهر؛ لم يعد باستطاعة الأستاذ الجامعي أن يوفر كلَّ احتياجات أسرته من راتبه دفعة واحدة”.

     وأضاف: “هذا حال الأُستاذ الجامعي الذي يصل راتبه إلى  مصاف الأجور، فكيف حال من هم في مهن أخرى يعملون في وظائف بسيطة أو يستلمون معاشات لا تكفي لسد احتياجاتهم الأساسية؟! ولهذا فالجميع من مختلف القطاعات العاملة ذات الدخل المتوسط والمحدود هم من زبائن الدلَّالات”.

    وأشار إلى أن الدلَّالات يقدِّمن خدمة كبيرة لقطاع كبير من الأسر اليمنية، لا سيما عندما يقدِّمن البضائع مشفوعة بخدمة التقسيط للزبائن على شهرين أو أكثر.

      واختتم حديثة: “هذا الأمر يسهِّل علينا الموازنة بين احتياجاتنا الأساسية ومتطلبات المدارس والجامعات وما إلى ذلك، ونستطيع عبر الدلَّالات توفير الكثير من احتياجات المنازل واحتياجات أطفالنا، وسط الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه اليمن”.

    وتستمر الكثير من الدلَّالات في عرض البضائع المتنوعة وبيعها للأسر اليمنية بأسعار تنافس السوق وبجودة مقبولة، ولجميع الناس من دون تميز بين كونه موظفًا أو متعاقدًا شرط الانضباط بالتقسيط بحسب المدة المتفق عليها التي تمتد لأشهر، الأمر الذي يجعل الكثير من البضائع في متناول الجميع حتَّى إذا كان ثمنها مرتفعًا على وفق نظام التقسيط”.

  • Share on:
Tamara Boulos

Tamara Boulos

تدريب 206 مستفيدة في صيانة وقيادة المركبات ثلاثية العجلات

  أبريل 11, 2022

خبر خير ضمن مشروع فريد من نوعه ولأول مرة في اليمن، قامت منظمة سول وبتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن بتدريب 206 مستفيدة في صيانة وقيادة المركبات ثلاثية […]

دعوة لتقديم مشروع يدعم مشاركة المرأة في بناء السلام

  مارس 12, 2022

خبر خير تزامنا مع استراتيجية النوع الاجتماعي في اليمن واستراتيجية النوع الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، يمول صندوق دعم التضامن الاجتماعي في اليمن مشاريع تهدف إلى زيادة […]

عندما تتجسد الأحلام عبر عدساتهن

  ديسمبر 16, 2021

خبر خير – فاطمة رشاد      تتطلع المرأة اليمنية إلى الوصول إلى مواقع مرموقة في مناحي الحياة العملية، مهنة التصوير كانت في يوم ما حكرًا على الرجال، ولكن اليوم تقف المصورة اليمنية […]

LEAVE A COMMENT

Follow us on social networks
تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

صور الاسبوع