الشحاذة في اليمن من الأسباب إلى وضع الحلول

خبر خير– د. نُهى ناصر

    ارتفعت أعداد السائلين في اليمن وتوسعت خارطة الشحاذة وانتقلت من المدن الرئيسة إلى المدن الثانوية والأرياف، حيث يتعرض السائلون إلى التهميش والازدراء والإهمال.

    إن تمدد ظاهرة الشحاذة إلى الأرياف يُعدُّ مؤشرًا مؤكدًا على أن المجتمعات المُنتجة لم تعد تقوى على مقاومة التدهور الاقتصادي الذي تمر به البلاد، كما أن استمرار الصراع سيسهم في ارتفاع نسبة السائلين في اليمن.

تنامي ظاهرة الشحاذة في المجتمع اليمني

     يؤكد رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة تعز الدكتور ياسر الصلوي “أن الشحاذة في المجتمع اليمني ظاهرة ومشكلة قديمة ازداد انتشارها مطلع 1990م مع أزمة الخليج وعودة المغتربين اليمنيين وتفاقمت بعد صراع 94 وما نتج عنها من انهيار اقتصادي”.

وقال د. الصلوي: ” على الرغم من تحقيق الاستقرار السياسي النسبي بعد صراع  1994م إلى مطلع الألفية الجديدة، لكن ظلَّ الوضع الاقتصادي في اليمن يتدهور، فاتسعت رقعة الفقر والبطالة في البلد وانخفض مستوى دخل الفرد وتفاقمت هذه الأمور باستمرار لا سيما بعد  أزمة 2011م، وما نتج عنها من أحداث”.

    وأضاف الدكتور ياسر “أن السبب الأساس الذي أدَّى إلى انتشار الشحاذة في الآونة الأخيرة هو الصراع الدائر في اليمن منذ سبع سنوات الذي كانت تأثيراته كارثية على مختلف الأصعدة، حيث أصبح 25 مليون يمنيٍّ يعانون من فقدان الأمن الغذائي”.

      ويؤكد مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن أعداد السائلين يتجاوز 200 ألف سائل في اليمن؛ والأسباب التي تقف وراء ذلك عديدة منها: الصراع وفقدان الوظائف والنزوح وتوقف معظم الأنشطة والأعمال التي كانت تغطي احتياجات مئات الآلاف من اليمنيين.

    وأضاف المصدر أن الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين والصوماليين يمتهنون الشحاذة إلى جانب اليمنيين، الأمر الذي جعل مكافحة الشحاذة مهمة مستحيلة في ظل الصراع المحتدم، واستمرار ظاهرة النزوح من المناطق التي يحتدُّ فيها الصراع وتوقف مؤسسات الدولة وضعف الأجهزة الأمنية والضبطية.

الهروب من الصراع إلى الشحاذة

    إن عمل المسوح الميدانيَّة لهذه الظاهرة ودراستها من كثب ومعرفة الأسباب والدوافع المؤدِّية إلى ارتفاع أعداد السائلين على مستوى اليمن ككل أو المدن، والخصوصية التي تتعلق بكل منطقة أو مدينة من هذه المدن فيما يخص ظاهرة الشحاذة هو أحد الحلول التي ستُمكن الجهات المعنية من وضع التصورات والحلول المبدئية لمعالجة هذه الظاهرة، وأيضًا سيؤدي إلى تفعيل دور المنظمات والمؤسسات والجهات ذات العلاقة لمكافحة ظاهرة الشحاذة والحدِّ من انتشارها.

     على امتداد ساحل أبين يبدأ دوام الشحاذين الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وهو الوقت الذي يبدأ فيه زوار البحر بالقدوم إلى المتنزهات والسواحل لقضاء الوقت مع أُسرهم.

محمد12 ربيعًا من الحديدة يقول لــ “خبر خير”: “نزحت مع أسرتي من الحديدة إلى عدن بسبب اشتداد الصراع في مناطقنا في 2018م”. ويضيف محمد “أنه لجأ إلى الشحاذة برفقة أخيه الأصغر منه لتوفير احتياجات أُسرتهم التي تتكون من 8 أفراد جميعهم لا يعملون، ووالدهم مقعد”.

     يواصل محمد حديثة لـ “خبر خير”: “أخرج صباحًا برفقة أخي إلى ساحل أبين وهناك نسأل الناس ونحصل على النزر من المال الذي بالكاد يغطي احتياجات أسرتنا ونعود في المساء”. ويؤكد محمد أنه سيتخلى عن الشحاذة بعد أن يتمكن من جمع مبلغ من المال يكفيه لتجهيز بسطة صغيرة تساعده على إعالة أُسرته.

      تنتشر المئات من النساء والأطفال والرجال في شوارع مدينة عدن وعلى تقاطع الطرق وبالقرب من الأسواق والمراكز التجارية والمطاعم، ومنهم من يطرق أبواب المنازل بحثًا عن الطعام أو الملابس.

غياب دور الدولة

    يؤكد د. الصلوي أن غياب دور الدولة ومنظمات المجتمع المدني كمؤسسات بديلة وتوقف الدعم الذي كانت تقدِّمه الدولة إلى الأسر المعدومة عبر صندوق الرعاية الاجتماعية، أسهم في انضمام كثير من هذه الأسر إلى بقية الشحاذين، حيث دفعتهم ظروفهم إلى البحث عن مصدر دخل بديل ولو كان في حدوده الدُنيا”.

      وأضاف الدكتور ياسر ” الشحاذون في المجتمع اليمني يمكن تقسيمهم على فئتين فئة أجبرتها التداعيات الاقتصادية المتعلقة بالصراع على أن تتخذ من الاستجداء وسيلة لتأمين الاحتياجات الأساسية للأُسر، وفئة أخرى تأخذ من الاستجداء مهنة للرِّبح، حيث إن هناك شبكات تعمل في هذا الجانب المظلم وتقوم باستغلال الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصَّة؛ للتأثير في الناس من أجل كسب مبالغ طائلة؛ كون الشحاذة هي الطريقة الأيسر لجمع المال”.

 من جهتها تقول أم هشام (من محافظة عدن): “إنها تأتي إلى وسط أحد شوارع المدينة مع طفليها للوقوف في الطريق العام بين السيارات المارة لتحصل على هِبات المتصدقين التي تساعدها على الاستمرار في مواجهة أعباء الحياة مع طفليها”.

      تؤكد أم هشام لموقع “خبر خير” أنها تضطر إلى الخروج سائلة الناس بين زحمة السيارات بعد أن فقدت زوجها الذي كان يعيل أسرتها، فهي لا تتقاضى راتبًا ولا يوجد لديها مصدر دخل”.

   تعيش أم هشام مع طفليها في غرفة صغيرة مقابل إيجار (40,000) ريال في الشهر(43 دولارًا) الأمر الذي يضطرها إلى الخروج من أجل الشحاذة وتوفير إيجار الغرفة وتأمين معيشة طفليها.

    على الطريق ذاته تنتشر تجمعات لنساء وأطفال ورجال يبحثون عمن يساعدهم ويسألون المارة مالًا أو غذاء.

     (س ، م)  ــــ تحفَّظ عن نشر اسمه ــــ يقول لموقع “خبر خير”: “عمَّ أتحدث عن سؤالي الناس؟ هل ترون أننا نرتكب الأخطاء أو أن خروجنا إلى الشوارع لجمع المال هو لغير حاجتنا؟!  ليأتي معنا من يريد إلى أماكن عيشنا لترون الحقيقة وتنشرونها”.

 ويضيف: “نحن العاجزون عن تدبير قوت أطفالنا لا سبيل أمامنا إلَّا أن نسأل الناس، أنا أب عاجز لا أحتمل مشاهدة أطفالي جياعًا أو مرضى، وهذا الأمر هو الذي دفعني لأكون شحَّاذًا”.

 يواصل (س، م) حديثة وهو يبكي: “الأمر ليس سهلًا علينا أن نمدَّ أيدينا لاستجداء الناس، لأنه لا يوجد لدينا عملٌ ولا حلٌّ لمواصلة الحياة إلَّا الشحاذة، نحن ضعفاء غرباء ونتعرض إلى الشتم والاستهزاء من بعض الناس”.

الحلول لمعالجة ظاهرة الشحاذة

   إن الحلول التي ستحدُّ من ظاهر الشحاذة وانتشارها كثيرة، لكن الحديث عنها في ظل استمرار الصراع لهو نوع من العبث لأن الصراع هو السبب الرئيس الذي يُنتج هذه الظاهرة، لذا تبدأ المعالجة الرئيسة لهذا الظاهرة وغيرها من الظواهر السلبية التي انتشرت في المجتمع اليمني، بوقف الصراع.

     وهو ما وكَّده د. الصلوي قائلًا: “إن وقف الصراع يأتي في مقدمة الحلول لهذه الظاهرة لأنه سيؤدي إلى وقف النزوح، وهذا يعني الحدّ من أعداد الأُسر التي تضطر إلى الخروج إلى الشحاذة، كما أن عودة النازحين إلى مناطقهم والاستقرار فيها سيعمل على التقليل من أسباب انتشار هذه الظاهرة”.

وأضاف د. الصلوي “أن عودة الحياة الاقتصادية تدريجيًّا وزيادة فرص العمل، بالتوازي مع إعادة إعمار اليمن ــــ وهو الأمر الذي سيلي توقف الصراع ــــ سيُسهم في خلق فرص عمل لكثير من الأُسر الأمر الذي سيدفع بالكثير منها إلى وقف الشحاذة بعد حصولها على فرص عمل جرَّاء الحراك الاقتصادي الذي سيحصل”.

    ووكَّد “أن وقف الصراع سيؤدي إلى وقف إزهاق الأرواح، كما أن حالات الإصابات والإعاقات التي تنتج عن الصراع ستختفي باختفاء العامل المُسبب لها وهذا يعني التقليل أو الحدّ من العوامل التي تدفع الأُسر أو أبناءها إلى الخروج إلى الشحاذة لتأمين مصادر الدخل، وتأمين الحاجات الأساسية لهذه الأسر”.

    وقال “سيؤدي وقف الصراع إلى إعادة أجهزة الدولة إلى العمل وانتظامها ومن ثمَّ تفعيل الأمن والكشف عن الشبكات التي تقف خلف الشحاذة، وأيضًا سيسهم في عودة التعليم خصوصًا في المناطق التي كانت فيها العمليَّة التعليميَّة شبه متوقفة، وهو ما يعني عودة كثير من أبناء هذه الأُسر الذين يشحذون إلى مدارسهم بعد أن منعتهم الشحاذة من الالتحاق بالعملية التعليميَّة في أثناء الصراع”.

    إن الشروع في الحلول المذكورة آنفًا لا يعني أن ظاهرة الشحاذة ستختفي في يوم وليلة لأن مثل هذه المعالجات التي ترتبط بإنهاء الصراع في اليمن تحتاج إلى وقت ومعالجات عميقة تتعلق بالأُطر الاجتماعية والنفسية، بالإضافة إلى تكاتف الجهود لتحويل هذه الأسر التي اعتمدت على الشحاذة لتوفر سبل عيشها إلى أُسر مُنتجة من جديد، وهو ما يعني أن حلَّ هذه الظاهرة يتطلب تعاون جهات الاختصاص، وإرادة من المستهدفين أنفسهم. 

  • Share on:
Tamara Boulos

Tamara Boulos

توزيع أكثر من 160 طناً من السلال الغذائية بمحافظة أبين بدعم من السعودية

  أكتوبر 5, 2022

خبر خير في يوم 23 سبتمبر 2022 م، وزّع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية 160 طناً و500 كيلو غرام من السلال الغذائية للأسر الأكثر احتياجاً في مديريتي أحور ولودر […]

إعلان التسجيل على منح مشروع “المراكز الإبداعية” الممول من الاتحاد الأوروبي

  سبتمبر 18, 2022

خبر خير أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن منتصف شهر سبتمبر عن فتح باب التسجيل؛ للحصول على منحة مشروع “المراكز الإبداعية”، الممول من الاتحاد الأوروبي، الذي ينفذه معهد “غوته”. وأضافت […]

منظمة “الفاو” تتأهب لمكافحة الجراد الصحراوي في اليمن

  أغسطس 27, 2022

خبر خير قالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو”، إنها في حالة تأهب قصوى حيث يلوح خطر ظهور الجراد الصحراوي بعد هطول الأمطار الغزيرة الأخيرة. لتجنب الخسائر الناجمة عن الآفة […]

LEAVE A COMMENT

Follow us on social networks
تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

صور الاسبوع