الهكبة نشاط مالي تعاوني تُديره النساء لمواجهة الأزمات في اليمن

خبر خير – د. نهى ناصر

     الهكبة كلمة يحفظها اليمنيون جيدًا، فهي حاضرة في كل بيت كمبلغ مؤجل أو مستحق. هذا وتعد الهكبة نوعًا من النشاط الاقتصادي التعاوني الذي تقوم به النساء، ويعتمد على إيداع مبلغ من المال بانتظام مع مجموعة من النساء، ويُجمَّع هذا المبلغ عند امرأة واحدة يطلق عليها في اللهجة العاميَّة (الهكَّابة).

  وفي نهاية الوقت المحدد يُسلَّم المبلغ المجمَّع بالترتيب لكل المشتركات بالهكبة. وقد كان هذا النشاط متداولًا بين ربات البيوت، ولكنه توسَّع ليشمل قطاعًا كبيرًا من النساء في مختلف المؤسسات والدوائر الخدمية لا سيما الحكومية منها.

مصطلحات خاصَّة بالهكبة

     هناك مصطلحات تتداولها المُشتركات حصريًّا ضمن نطاق الهكبة، وتستخدم هذه المصطلحات لتسهيل عمليَّة التواصل بين المشتركات، ومن أبرز هذه المصطلحات الآتي:  

. الهكَّابة : هي من  تعلن عن الهكبة وتختار المشتركات من المحيط الذي تعرفه، تقول الهكابة أم سالم لموقع خبر خير: ” إن الفائدة التي تعود علي عند الإعلان عن الهكبة هي حصولي على الوعد الأول من الهكبة، كما أنني أختار النساء اللواتي سيشتركن معي في الهكبة، كوني أعلم وبحكم تعاملي معهن إنهن سيلتزمن بدفع القسط الشهري في وقته المحدد”. 

فرش الهكبة: والمقصود به الإخبار عن الهكبة، وغالبًا ما يكون الإعلان مربوطًا بالمجموعة نفسها التي اشتركت في هكبات سابقة.

القُرعة: هي الطريقة التي تتبعها الهكابة لاختيار ترتيب كل مشتركة، ويكون الحظ هو العنصر الفاعل فيها وعن طريقها تعرف كل مشتركة رقمها المحدد ووقت استلامها، ومنهن من تحصل على الوعد الثاني، والثالث، والرابع … بحسب القرعة التي حضرنها جميعًا.

     وتضيف أمُّ سالم: ” بالإمكان تقديم وعدٍ على آخر بعد أن يتم الاختيار بالقرعة، وفي كثير من الأحيان تتفاهم النساء فيما بينهن وتحديد من المستحق للوعد، بحسب الاحتياج وبتراضي المشتركات”. وتتفق معها الهكابة منى التي ترى أن الهكابة لا تستطيع أن تقدم وعدًا على آخر؛ لأن القرعة تكون أمام المشتركات وصاحبة الوعد المحدد هي من لها الحق بأن تتعاون وتعطي رقمها وتقدم السيدة الأُخرى عليها، على أن تحلَّ هي محلها في الوعد”.

الوعد: أو القسط هو المبلغ المحدد الذي يدفع نهاية كل شهر للهكابة.

حق الحفاظة: وتُعرفها الهكابة مها بأنها ” حفظ الهكبة من الضياع، بحيث يكون المبلغ في مكان آمن ونتيجة لتعب الهكابة في جمع المبلغ وحفظه فهي تأخذ من كل هكبة مبلغ 1000 ريال يمني مقابل تعبها في حفظ المبلغ، ومتابعة المشتركات”. وهذا المبلغ نسبي وغير ثابت بين الهكبات حيث يختلفن من حيث قبولهن ورفضهن لمبلغ الحفاظة.

أنواع الهكبة

    تنقسم الهكبة إلى أنواع تختلف باختلاف الفترة الزمنيَّة المحددة التي تكون بين شهرية، وسنويَّة، ونظام سنتين.

    وعن ذلك تقول الهكابة مها لموقع خبر خير: ” هناك هكبة يومية، وأسبوعية، وهكبة كل عشر أيام وهذا النوع من الهكبات يتحدد بمبالغ يسيرة 500 أو 1000، أو 2000 ريال، وعادة ما يشترك فيها أصحاب الأجر اليومي، من مالكي الباصات، أو بائعي القات أو غيرهم”.

     وتضيف مها: ” وبخصوص المبالغ المحددة في الهكبات الشهرية والسنوية فإن المبالغ تحدد بـ 10 أو 20، أو 25، أو 50 ألفًا ويكون المبلغ المتحصَّل عليه مليون ريال يمني. فمثلًا الهكبة التي تستمر إلى سنتين والتي يبلغ القسط فيها 25 ألف ريال يمني شهريًّا، والموزعة بين عشرين شخصًا، يكون مبلغها المتحصل مليون ريال يمني”.

   وفي خضم بحث الأسر اليمنية عن حلول لمواجهة الوضع الاقتصادي الصعب والأزمات التي تعيشها، وجدت عدد من الأسر الحلَّ في هكبة المجادلة.

 وهي عبارة عن صندوق يشرف عليه أحد أفراد المنزل، بحيث يشارك كل فرد في الأسرة بوضع مبلغ من المال في الصندوق، ويستخدم هذا المبلغ في الحالات الطارئة فقط. 

المفاضلة بين نظام القروض والهكبة:

    عدد من المشتركات في الهكبة تحدثن عن تفضيلهن للهكبة على أخذ قرض من البنك، تؤكد فاطمة محمد أن القرض من البنك غير مناسب لها كونه مشروطًا بفوائد كبيرة تصل إلى 30% من قيمة المبلغ، فيما الهكبة قائمة على المبالغ التي جُمِعت من المشتركات، ولا تفرض عليها فائدة.

    من جهتها تقول ندى علي (إحدى المشتركات في النظام التعاوني): ” إن الهكبة أسهل وأضمن وفيها مراعاة للظروف ولا تحتاج إلى ضمانات، كما أن الوعد في الهكبة إذا كان كبيرًا ممكن أن يشترك فيه أكثر من واحد وعندما يخرج الوعد يُقسَم فيما بينهم”.

    وتضيف: ” الهكبة نحن من يدريها ونتحكم بها وفي حال تخلف مشترك أو مرَّ ظرف نستطيع أن نجد الحلول وندخل البديل، وهذا الأمر لا يسبب خسارة ولا مخاطرة بعكس البنوك أو المؤسسات المالية التي تقرضك المال، ويتحول المدين فيها إلى أسير قد يضطر إلى بيع ممتلكاته من أجل تسديد قرض البنك وفوائده”.

  وتتفق معها أمُّ سالم التي تؤكد أن من تتخلف عن دفع أقساط الهكبة، أو من تقرر الانسحاب المفاجئ من الهكبة، وتريد استعادة ما دفعته سابقًا فإن من حق الهكابة أن تؤخر المبلغ الذي دفعته إلى حين انتهاء الهكبة تأديبًا لها، إلَّا في حال أن الهكابة رأت أن المشتركة المنسحبة تمرُّ بظروف قاهرة، فإنها تعطيها المبلغ مقدَّمًا تقديرًا لظروفها. 

   والفئة الأكثر عملًا بالنظام المالي التعاوني (الهكبة) هي الأسر من ذوي الدخل المتوسط، فدائمًا ما يحتاجون إلى الهكبة من أجل دفع أقساط المدارس، والجامعات، أو من أجل ترميم البيوت، ولدفع تكاليف الزواج، ومنهم من يستخدم المبلغ المتحصل من الهكبة للسفر إما للعلاج أو للحج والعمرة”.

من الذي يهكب؟

     تقتصر الهكبة عادة على النساء كونهن المدبرات في المنزل، ويستطعن تحديد أوجه الصرف فيه ومن ثمَّ يستطعن تكييف الميزانية وتحديد مبلغ محدد يدفعنه بانتظام في الهكبة.

    وتقول أمُّ سالم: “لا يوجد رجال هكابين، النساء أكثر انضباطًا من الرجال، ولديهن التزام تجاه هذا الأمر، كما أن الهكبة تحتاج إلى مرونة في التعامل مع المشتركين وتذكيرهم بالأقساط ومتابعتهم، والحفاظ على المبلغ وعدم التصرف به، وهذا الأمر لا يتناسب مع الرجل الذي لا يستطيع تحمل هذا الضغط”.

    وأضافت أمُّ سالم: ” في ظل هذه الظروف نرفض أدخال الرجال في الهكبة؛ لأننا نعرف أن الرجل قد يتخلف عن دفع الوعد عند استلام راتبه، بسبب صرفه في القات، أو التزاماته كرب أسرة، ومن طبع الرجال المماطلة عند الدفع والهكبة تحتاج إلى التزام، الأمر الذي قد يتسبب لي في مشكلة، مع صاحب الوعد الذي من المفترض أن يستلم مبلغه كاملًا، ومع هذا يمكن أن نقبل أدخال رجل مع المجموعة، بشرط أن يوجد من يضمنه من المجموعة نفسها التي تهكب”.

الهكبة قروض بدون فوائد

   إن اشتراك الشخص في الهكبة يعد بمنزلة الضمان الذي يحتاج إليه للاقتراض من البنك، وهذا نظام مالي تعاوني متطور من منظور الأسر اليمنية في عدن وسهل جدًا للجميع.

   وتوضح أمُّ سالم  ذلك بقولها: ” إذا اشتركت امرأة في الهكبة بوعدين فإن الهكابة لا تسلمها مبلغ الوعدين في وقت واحد، ولكنها تسلمها وعدًا واحدًا فقط، وقد تكون هذا المرأة  مستعجلة أو تمر بأزمة وتحتاج إلى الوعدين كاملين فلا يكون أمامها إلَّا أن تقترض المبلغ المحدد في الوعد الثاني، على أن يقوم المقرض بالتواصل مع الهكَّابة ويتأكد من أن المدينة مشتركة معها في الهكبة ولها وعد مستحق، وبعد الاتفاق مع صاحبة الوعد، تقوم الهكابة بتسليم وعدها المحدد بوقت معين إلى المقرض الذي أقرضها المال ” .

     قديمًا لم يكن هناك شرط محدد للمشتركين في الهكبة، وكان يمكن أن يدخل فيها أيُّ شخص بغض النظر عن مرفق عمله، ولكن الآن نتيجة الوضع الراهن أصبحت الهكبة محددة بين الموظفات في المرفق نفسه، لاسيما المدارس والجامعات، والإدارات وغيرها ولا تقبل الهكابة المتقاعدين، والعسكر؛ لأن رواتبهم تتأخر، ولكن ممكن قبولهم بضمانة إحدى المشتركات اللاتي يهكبن في المرفق نفسه – بحسب ما أكدت أمُّ سالم- وهو الأمر الذي تراه أمُّ محمد ظلمًا وإجحافًا في حقها كونها تحتاج إلى الهكبة ولكن ولأنها متقاعدة لا يسمح لها بالاشتراك، إلَّا إذا ضمنتها إحدى المشتركات، وتُشير إلى أن مسألة تأخير الراتب التقاعدية لا يد لها فيها. 

الهكبة في مواجهة ألازمات والأمراض

    قبل وجود الحوالات كانت الهكبة تسلم يدًا بيد، ولكن الآن وتسهيلًا للتواصل، تُحوَّل أقساط الهكبة عبر محلات الصرافة، وترى أمُّ سالم أن هذا الأمر وفر على المشتركات عناء القدوم إلى منزلها لتسلم مبلغ الهكبة.

    وأضافت: ” في أثناء الصراع الذي دار في اليمن استطعنا أن نستمر بدفع الأقساط ولم يسبب النزوح لنا مشكلة، فقد كنا نحوّل رواتبنا إلى أقساط، وكل واحدة تستلم راتب الأخرى في المنطقة التي نزحت لها وتأخذه كوعد للهكبة، وكان تواصلنا وتحويلاتنا عبر الصرافين”.

    وتعد الهكبة تكافلًا اجتماعيًّا أوجده المجتمع بين أفراده في الأوقات الحرجة في ظل غياب المؤسسات ووقت الحاجة.

     واختتمت أمُّ سالم حديثها لموقع “خبر خير” بالتأكيد أن التكافل الاجتماعي في بعض صوره ما كان ليتحقق لولا وجود الهكبة وتقول: “أصيبت مُدرسة بمرض عضال، وكان لابد أن تسافر للعلاج خارج البلاد، فما كان من طاقم العمل في المدرسة إلَّا أن قاموا بالاشتراك في هكبة، وجمعن لها مبلغًا مكَّنها من دفع قيمة التذاكر، وسُلِّمت المبلغ من دون إخبارها عن مصدره، كما أرسلوا مبلغًا مماثلًا لها بفرش هكبة أخرى لمساعدتها في دفع تكاليف العلاج”.

   إن الظروف الاقتصادية التي يشهدها البلد جعلت من الهكبة نظامًا تعاونيًّا يسهم في حل الأزمات المالية التي تواجه الأسر المتوسطة الدخل، حيث غدت الهكبة أساسًا أوليًّا يعتمده الناس كتأمين ثابت يقي الأسرة بطريقة غير مباشرة من التعرض للأزمات المالية المرتبطة بالمناسبات الخاصة والعامة التي تتطلب توفر المال، ودفع الأقساط المختلفة وغيرها من الاحتياجات الضرورية التي لا يمكن أن يغطيها الراتب الشهري.

  • Share on:
Tamara Boulos

Tamara Boulos

حصول مدرسات يمنيات على حوافز في 17 محافظة يمنية

  مايو 7, 2022

خبر خير حصلت أكثر من 2200 ‎معلمة ريفية في 17 محافظة في ‎اليمن على حوافز لمواصلة التدريس بدعم من الإمارات و مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية . وتدعم هذه […]

بورشة عمل.. الأغذية والزراعة تدعم متضرري النزاع وجائحة كورونا في الضالع

  أبريل 9, 2022

خبر خير بتمويل من الحكومة اليابانية قامت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في اليمن بتنظيم ورشة العمل التعريفية الخاصة بمشروع المساعدة الطارئة لسبل العيش الزراعية للسكان المتضررين من النزاع وجائحة […]

الأمم المتحدة تعلن هدنة في اليمن لمدة شهرين

  أبريل 1, 2022

خبر خير أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن هانز جرودنبرج هدنة لمدة شهرين تدخل حيث التنفيذ ابتداءً من السبت 2 ابريل الساعة السابعة مساء. وقال بيان صادر عن المبعوث: أود أن […]

LEAVE A COMMENT

Follow us on social networks
تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي

صور الاسبوع